RSS

Monthly Archives: نوفمبر 2011

لندعهم يتسخون!


قي إحدى زياراتنا إلى طبيب ولدي، سألت الطبيب لماذا ابني يمرض كثيراً.. لماذا أصبح يصاب بالإنفلونزا والتهاب اللوز والرشح عدة مرات في الموسم الواحد.. بينما نحن في صغرنا كنا نادراً ما نعرف هذه الأمراض؟..
أجابني: السبب واضح.. لأن عالم أطفالنا اليوم أصبح نظيفاً أكثر من اللازم!

*    *    *

عندما كنا صغاراً.. كنا نقضي أغلب وقتنا خارج المنزل..
كنا حينها نعيش في بيئات مختلفة، بيئات صحراوية، بيئات ريفية، وقروية، مليئة بالأشجار والنباتات والحيوانات والحشرات، وحتى في المدن كانت البيوت شعبية في أغلبها، تجد باحة للمنزل فيها أشجار أو نخل، وغالباً ما تتم تربية بعض الحيوانات أو الدواجن داخل المنزل.
كنا نلعب بكل شيء.. بالتراب.. بالطين.. بكل شيء.. نركض نلهو وأيادينا تمسك بكل شيء.. ونتنفس بكل حرية.. نتسلق الأشجار.. نستكشف الكائنات من حولنا من حشرات وحيوانات.. كان جزء من تسليتنا أن نلعب مع هذه الكائنات.. نحملها ونداعبها ونرميها على بعضنا البعض ونضعها في ملابس زملائنا في مقالب بريئة..
وحينما كنا نعود للمنزل.. لم يكن غسيل الأيدي عند الأكل أمراً ملحاً.. في الغالب كنا نغسل أيادينا حينما يكون هناك شيء ظاهر عليها فقط.. كالطين والقاذورات..

*    *    *

هذا النمط من الحياة أصبح يعد فلم رعب هذه الأيام!
أبناؤنا اليوم دوماً تحت المراقبة.. يقضون أغلب وقتهم في المنزل، في المدن في فلل أو شقق، في بيئة نظيفة دائماً.. وحينما يخرجون مع أهاليهم إلى الحديقة لا يسمعون إلا: “لا تلمس هذه.. إنها قذرة.. لا تلعب بالتراب.. إنه مليء بالأوساخ.. ابتعد عن تلك القطة.. تبدو مقرفة..”..
وحينما يأتي وقت الطعام.. فعليهم أن يغسلوا أياديهم جيداً.. ثم تخرج الأم من حقيبتها علبة المعقم السائل، أو المناديل المعقمة.. لتمسح بها يدي الطفل جيداً قبل الأكل.. (شكراً لإنفلونزا الخنازير!)..

*    *    *

ترى.. هل هذا حقاً ما نريده لأبنائنا؟
هل نريد أن نمنعهم تماماً من التعرض لأي بكتيريا وهم صغار.. لكيلاً يصابون بالمرض وهم في رعايتنا.. ثم ينشؤون ويكبرون ليكونوا أصحاب مناعة ضعيفة.. وأجساد هشة؟!

*    *    *

يقول بعض الخبراء بأن جهاز المناعة في الجسم مثله مثل بقية الأجهزة.. بحاجة إلى التدريب والتمرين لتصبح أقوى..
تماماً مثل العضلات، من يهتم بها ويدربها تكون عضلاته أقوى وأكثر مرونة، ومن يهملها تكون عضلاته هشة وضعيفة..
وتمرين جهاز المناعة ليس صعباً.. ولا يحتاج إلى برامج تدريبية مكلفة ومرهقة..
البرنامج التدريبي لمناعة طفلك يتلخص حسب كلام الخبراء في نقطتين: أن ندعهم يلعبون بالرمل والطين، وألا نسرف في استخدام المطهرات معهم.
لماذا الطين؟ لأنه يحوي عدداً كبيراً من الميكروبات التي قد لا توجد في بيئات أخرى، هذه الميكروبات تساعد في بناء مناعة الطفل ضد الكثير من الأمراض البسيطة المنتشرة حولنا، خصوصاً أمراض الصدر والإنفلونزا والحساسية.
لنأخذهم كثيراً للحدائق، وندعهم يلعبون بالرمل والطين والتراب كما يشاؤون، لندعهم يختلطون بالأطفال الآخرين بشكل مكثف، لندعهم يستخدمون الألعاب في الأماكن العامة..
وحينما يعودون للمنزل، غسيل اليدين العادي قد يكون كافياً.. بل إن بعض هؤلاء الخبراء ينصحون بأن نتجاوز عن غسل الأطفال لأياديهم أحياناً قبل الأكل.
كما علينا ألا نقلق كثيراً من نظافة المنزل، ليس من الضروري أن نقوم بتعقيم كل زاوية من زوايا البيت بشكل مستمر، علينا بالطبع أن نهتم بنظافة بيوتنا، ولكن لندعها طبيعية قدر الإمكان بدون الاستخدام الزائد للمنظفات والمعقمات.

*   *   *

قراراتنا حالياً هي ما تشكل مستقبل أبنائنا..
وكما أن من حق أبنائنا علينا أن نرعاهم الرعاية الصحيحة.. ونوفر لهم التعليم المناسب.. والتغذية السليمة..
فإن من حقوقهم علينا أيضاً أن نسعى لأن يكونوا دوماً بصحة وحيوية..
صغاراً.. وعندما يكبرون..

 
11 تعليق

Posted by في 10 نوفمبر 2011 in مقالات, طفولة