RSS

Monthly Archives: أبريل 2017

لماذا لا يكون لدينا مشاريع للأطفال مثل زهرة مايو؟


مشاريع تبرعات، عصبها، وروحها، الأطفال!

زهرة مايو..

هل سمع أحدكم بها؟

زهرة مايو ارتبطت بدولة السويد، نحن لدينا تصورات قديمة عن دولة السوبد، منها أنها البلد الأكثر رفاهية في العالم، وأنها البلد الأول في نسبة الانتحار في العالم (وهي معلومة مغلوطة بالمناسبة)، ومؤخراً زاد الحديث عن السويد على أنها (جنة الشمال) لعدة عوامل، يبدو من أهمها النشاط المكثف لحساب السويد بالعربية على تويتر، والذي نجح (بخفة دم 😊 ) في نشر الكثير من المعرفة حول السويد وثقافتها وعاداتها وتقاليدها.

ولذلك.. قد يكون بعضكم قد سمع بزهرة مايو.

 

ما هي (زهرة مايو)؟

زهرة مايو هي رمز لحملة تبرعات سنوية في السويد، تبدأ في وسط شهر أبريل، وتستمر لأسبوعين أو ثلاثة لتنتهي قبل بداية شهر مايو.

ولكن هذه الحملة ليست حملة عادية، أبداُ!

الموضوع بدأ منذ حوالي 110 أعوام، حينما قامت سيدة في مدينة غوتنبرغ بإطلاق حملة تبرعات للأطفال المصابين بمرض السل، حينها لم تكن دولة السويد قد وصلت إلى مستوى الرعاية الصحية المتكاملة للجميع وكان هناك الكثير ممن هم بحاجة للمساعدة. ونجحت الحملة بشكل لافت، قامت السيدة بتكرار هذه الحملة سنوياً حتى أصبحت على مستوى السويد كلها، وانتقلت الفكرة إلى الدول المجاورة. وفكرة هذه الحملة هي صناعة زهور صناعية كمشابك على الملابس وملصقات لبيعها وجمع التبرعات من الناس بهذه الطريقة.

مع الزمن، أصبحت الرعاية الصحية مضمونة للجميع في السويد، ولكن هذا لم يتسبب بتوقف الحملة، بل استمرت مع تغيير أهدافها لتصبح مساعدة الأطفال المحتاجين في كل مكان، ودعم مشاريع تنمية الأطفال وتطوير تعليمهم داخل السويد وخارجها.

الحملة أصبحت تقليداً شعبياً، مما قيل عنها: “لقد نجحت هذه الزهرة زرقاء نجاحاً باهراً، الكل يحتفل بها، أينما تذهب تجد هذه الزهرة معلقة على المعاطف، والبلوزات، والأوشحة، والبدل الرسمية، والقمصان. يتقلدها رجال الأعمال، الموظفون الرسميون، العمال، رجال الشرطة، الكبار والصغار، ترى هذه الوردة في كل مكان، وتشعر بأن الكل يفتخر بأنه جزء من هذه الحملة”.

وسنوياً، وعند بدء الحملة، تقوم ملكة السويد بشراء زهرة مايو بنفسها، في صور تتناقلها وسائل الإعلام.

كان اللون الرئيسي لهذه الزهرة هو الأزرق، ثم أصبحت ألوانها تتغير كل سنة، حتى أصبحت عادة عند الكثيرين أن يقوموا بجمعها وتبادلها، والبعض يفتخر بمجموعته خصوصاً إن كانت كاملة منذ تاريخ إطلاق هذا المشروع.

 

 

ما علاقة الأطفال بزهرة مايو؟

الأطفال هم العصب الرئيسي لمشروع زهرة مايو، وذلك لأنهم هم من يجمعون التبرعات!

المشروع أصبح مشروعاً وطنياً في السويد، يتم تفعيله وتشغيله عن طريق المدارس، ويشارك فيه طلاب الصفين الرابع والخامس الابتدائي في سائر أنحاء السويد. حيث تقوم المدرسة -بعد أخذ موافقة الوالدين- بتوزيع حقائب الزهور على الأطفال، وشرح الطريقة لهم، مع شرح أبعاد هذه القضية إنسانياً لهم.

الأطفال هم من ينتشرون في كل مكان في شهر أبريل، تراهم يتجولون بين الناس في الحدائق، يقفون أمام المولات والمراكز التسويقية، يدورون على المنازل، في تظاهرة ضخمة، لا ترى فيها غير الأطفال!.. يعملون بكل جهد لبيع زهرة مايو وجمع التبرعات..

وملكة السويد حينما تشتري زهرة مايو كل سنة، تقوم فعلياً باستضافة بعض الأطفال الذي يبيعون الزهرة في قصرها الملكي لتشتري منهم مباشرة.

لقد وضع مشروع زهرة مايو مشاركة الأطفال في هذا المشروع كهدف أول ورئيسي من هذا المشروع ككل، وذلك بعد أن أدركوا حجم الفائدة الكبيرة التي يستفيدها الأطفال المشاركين أنفسهم من مشروع زهرة مايو، وعلى الأخص زيادة الحس الإنساني لديهم والتعاطف مع الغير.

والمشروع مستمر في النجاح، أعداد الأطفال الذين يشاركون تزداد عاماً بعد عام، كما يتزايد حجم المبالغ التي يتم جمعها كل عام، حيث وصلت في العام الماضي 2015 إلى أكثر من خمسين مليون كرونة سويدية.

 

ماذا يستفيد الأطفال من مشروع زهرة مايو؟

  1. تنبيههم إلى أن هناك من يحتاج مساعدتهم في هذا العالم، وبالتالي زيادة الحس الإنساني لديهم.
  2. تعلمهم تحمل المسؤولية، بشكل مباشر في نحمل مسؤولية المهمة التي يريد إنجازها، وبشكل غير مباشر في مساهمته بمساعدة الأطفال المحتاجين.
  3. تعليمهم مهارات التواصل مع الناس، الشخص الانطوائي لن يبيع شيئاً، عليه أن يخرج ويقف ويتحدث مع الناس.
  4. تعليمهم مهارات البيع، طريقته في الكلام وأسلوبه يشجع الناس أكثر على الشراء منه والتبرع، كما يتعلم مواصفات العينات التي معه وأسعارها.
  5. تعليمهم مهارات التعامل مع النقود، بما أن الطفل سيبيع، معناها أنه سيستلم نقوداً من المشتري، وسيرجع له البافي، وعندما يعود إلى المنزل سيعد نقوده ويرتبها.
  6. الكثير من الأطفال يبيعون بالألافات، ومع ذلك أغلب الأطفال يوردون ما حصلوا عليه بالكامل، ومن النادر أن تحصل اختلاسات أو سرقات، إدارة المشروع تعمل على إعطائهم شعور بالثقة والمسؤولية.
  7. تعليمهم بعض المهارات التقنية: البرنامج يعطي للطفل خيار البيع عن طريق الجوال، وهذا سيزيد من مبيعاته بالطبع، حتى يفعل هذه الخدمة لديه عليه أن يتعامل مع الحاسب، يفتح حساباً في موقعهم على الإنترنت، ويتعرف بشكل جيد على طريقة البيع عن طريق الجوال، وكيف يتأكد من أن التحويل قد تم قبل أن يتمم البيعة مع المشتري.
  8. تعليمهم الكسب المشروع، وأن كسبك بقدر تعبك، حيث يحصل كل طفل على 10% من التبرعات التي يجمعها.

هل يمكن تطبيق فكرة كهذه لدينا؟

ولمَ لا؟.. المشروع يحتاج بشكل رئيسي إلى أن تتبناه جهة حكومية، ويتم إقراره في المدارس عن طريق وزارة التعليم. ويمكن في البداية تطبيقه على مدن محددة، ومناطق معينة، لاختبار المشروع والاستفادة من الأخطاء والعقبات التي تواجههم على أرض الواقع، ثم يمكن أن يتطور شيئاً فشيئاً حتى يتم تعميمه على جميع مدارس المملكة.

ونحن بطبعنا شعوب متعاطفة وكريمة، تحيط بنا الأعمال والمشاريع الخيرية من كل جانب، ونقف مع المسلمين في أزماتهم وفي المحن التي يمرون فيها في كل مكان، فلماذا لا نشرك أطفالنا في ذلك بمشاريع قوية وممنهجة تعود عليهم بالكثير من النفع، وتساهم في تطوير قدراتهم ومهاراتهم الحياتية؟

 

 

 

 

 

.

 
تعليق واحد

Posted by في 25 أبريل 2017 in مقالات, طفولة

 

حينما تكون ثقافة شركة أحذية هي توصيل السعادة!


 

 

كثيرة قصص النجاح المبهرة في عالم الأعمال من حولنا.. أشخاص بنوا مشاريع وشركات من الصفر وأوصلوها إلى نجاح مبهر لم يكن أحد يتخيله. نتناقل جميعاً قصص نجاح شركة أبل ومؤسسها الفريد ستيف جوبز، شركة مايكروسوفت ومؤسسها بيل غيتس أغنى رجل في العالم، الواتس أب الذي تم بيعه بمبلغ خرافي، جوجل التي سيطرت على قطاعات عديدة في التكنولوجيا على مستوى العالم، سامسونغ التي تنافس ميزانيتها السنوية ميزانية بعض الدول، وأحدثها قصة سوق.كوم والتي بيعت لأمازون بمئات الملايين.

ولكن.. هل سمع أحدكم بشركة بيع أحذية اسمها زابوس؟

زابوس قصة نجاح أخرى كما سنرى.. ولكن ما يميزها أنها ليست قصة نجاح مالية فقط.. بل أنشأت ثقافة داخلية مميزة أصبحت حديث الكثيرين، ثقافة جعلتها تبدو كـ (القبيلة).. ووصل الأمر بها إلى تصدير ثقافتها الداخلية للشركات الأخرى..

 

الشركة التي كادت تفلس صاحبها!

البداية كانت فعلياً أقدم من ظهور هذه الشركة.. كانت عن طريق رجل أمريكي من أصول آسيوية، يدعى توني شيه، قام بإنشاء شركة تقنية، نجحت بشكل مبهر في وقت قصير ليبيعها ويصبح مليونيراً.. ثم قام بعدها بإنشاء صندوق استثماري وحاضنة أعمال، وأخذ يستثمر في العديد من المشاريع الصغيرة الناشئة.

وأحد هذه الشركات.. كانت شركة اسمها زابوس.. وكان خلفها رجل يدعى نِك سوينمورن..

كانت لدى سوينمورن فكرة إنشاء موقع على الإنترنت لبيع الأحذية، الفكرة كانت طموحة وشجاعة، ومخاطرة في ذلك الوقت الذي وافق انهيار فقاعة شركات الإنترنت في أمريكا.. وبعد تردد وافق توني شيه على الاستثمار في هذا المشروع ضمن المشاريع العديدة الصغيرة التي يستثمر فيها..

هل هذا معناه أن توني بدأ شركة زابوس وهو غني بالفعل؟ إذن هو لم يبدأ من الصفر!.. هذا صحيح.. ولكن المسار هنا مختلف.. لقد كادت هذه الشركة أن تخسف بتوني إلى الصفر!.. كادت أن تقوده شخصياً إلى الإفلاس..

بعد أن انطلقت الشركة في عام 1999 تشكلت لدى توني قناعة أن الشركة لديها مستقبل كبير، ولذلك ركز عليها وتفرغ لها، وأصبحت هي عمله الوحيد.. وكانت الشركة تحتاج إلى تمويل أكبر من التمويل الذي استثمره فيها، ولكنه لم يجد من يقوم بالتمويل، ولذلك أخذ يمولها من رصيده البنكي حتى قارب رصيده على الانتهاء، ثم أخذ يبيع ممتلكاته الواحدة تلو الأخرى وبأي ثمن حتى يوفر سيولة للشركة حتى لا يتوقف العمل فيها.. وحينما أوشكت الشركة على الإغلاق في عام 2003 وأوشك هو شخصياً على الإفلاس وافق أحد الصناديق الاستثمارية على دعمه ومساندته، لتكمل الشركة مسيرتها، وتكتب قصة نجاح مميزة ومختلفة..

لقد كانت مبيعات الشركة تتضاعف، فقد سجلت الشركة النتائج التالية كحجم مبيعات، في عام 1999: لا شيء، في عام 2000: مبيعات بقيمة 1.6 مليون دولار، في عام 2001 مبيعات بقيمة 8.6 مليون دولار، في عام 2002 مبيعات بقيمة 32 مليون دولار. ولكن بالرغم من أرقام المبيعات التي تتزايد بسرعة مذهلة كانت الشركة تسجل خسارة آخر كل عام لزيادة تكاليفها، وبالتالي لم تكن المبيعات توفر لها أي سيولة. ولكنها كانت تعطي مؤشراً قوياً جعل توني وشريكه سوينمورن يؤمنان أكثر وأكثر بشركتهم، وحينما وافق الصندوق الاستثماري على دعمهم في 2003، لم يوافق بسبب النتائج المالية وتضاعف المبيعات، خصوصاً وأن فقاعة شركات الانترنت جعلت المستثمرين يهربون من شركات الإنترنت، ولكن ما جعل الصندوق الاستثماري يقف إلى جانبهم هو إحساسهم بالشغف الشديد الذي يحمله توني وشريكه سوينمورن تجاه هذه الشركة.

استمرت المبيعات في القفز سنوياً بمعدلات مذهلة، حتى وصلت مبيعات الشركة في عام 2008 إلى مليار دولار!

وبالطبع نجاح كهذا يفتح شهية المستثمرين، وهذا ما أدى إلى أن تقدمت شركة أمازون بعرض الاستحواذ على شركة زابوس، وتمت الصفقة في عام 2009، بقيمة 1.2 مليار دولار.

المثير للاهتمام أن الاتفاقية تضمنت أن تبقى شركة زابوس كما هي: باسمها، بموظفيها، بمكاتبها، بمستودعاتها، بعناوينها، بإدارتها.

هذا القرار يخالف أبسط الحسابات الاقتصادية في الدمج خصوصاً وأن أمازون تعمل في نفس مجال عمل زابوس وهو بيع المنتجات على الإنترنت. ولكن الغريب أنه كان برغبة وحرص من شركة أمازون نفسها..

إذن.. ما هو الشيء القيّم والفريد الذي تملكه شركة زابوس ولا تريد شركة أمازون أن تخسره بالاندماج؟..

 

 

فن صناعة (الدهشة) عند الزبون

حينما انطلقت شركة زابوس، انطلقت مثلها مثل أي شركة أخرى.. رأت فرصة تجارية معينة.. واستهدفتها..

ولكنها.. ومع الزمن.. بدأت تطور بعض المفاهيم والقيم الداخلية، التي صنعت مجد الشركة فيما بعد..

الشركة كانت عبارة عن موقع بيع أحذية.. وكانت الفكرة الرئيسية أن يعمل الموقع كوسيط بين المشتري وبين البائعين.. بمعنى أن الشركة تعرض على موقعها منتجات الشركات الأخرى.. وحينما يطلب العميل حذاءً معيناً تقوم الشركة بشرائه من الموردين وإرساله للعميل الذي طلبه..

مالياً.. هذه الفكرة لم تكن تكلف الشركة شيئاً.. لا يتم شراء حذاء إلا عند بيعه.. وبالتالي لا يتم شراء أحذية تبقى في المستودعات ولا تباع.. ولا توجد أصلاً مستودعات وتكاليف تخزين..

ولكن هذه الفكرة كانت تأتي لهم بمشاكل كثيرة.. منها أنه وبعد طلب الزبائن لأحذية معينة، يجدونها قد نفدت من عند البائعين.. إلى درجة أن أصبح أغلب ما يتم بيعه بالفعل في الموقع هي الأحذية المتبقية عند الموردين.. أما الأحذية الجديدة والتي عليها طلب من الجمهور فيتم توزيعها في السوق وتنفذ قبل أن تتمكن زابوس من بيعها على عملائها..

حينها اتخذت الشركة قراراً جريئاً بالدخول فعلياً في تجارة توزيع الأحذية.. أي أن تشتري الأحذية بالفعل وتضعها في مستودعات وتكون متوفرة لعملائها.. وبالرغم من المخاطرة الكبيرة والجريئة والتكاليف الإضافية إلا أن هذه الخطوة قفزت بمبيعات الشركة إلى مستويات عليا..

وحصلت معهم تجارب أخرى.. منها أن عميلاً اشترى حذاءً منهم، فقامت الشركة بترقية الإرسال بالبريد إليه من البريد العادي إلى البريد السريع ليصله الحذاء في وقت قياسي، مما جعل العميل يشعر بامتنان شديد، وأخذ يحدث عائلته وكل من حوله عنهم ليحضر لهم المزيد من الزبائن.. وهذا شد انتباه الشركة..

حينها.. وبعد العديد من التجارب المماثلة.. اتخذت الشركة قراراً جريئا، غير مسار الشركة ككل..

القرار كان أن تتمحور الشركة بشكل كامل حول مفهوم خدمة العملاء..

قد يبدو هذا الكلام سطحياً وبسيطاً.. ولكن هناك فرق أن يكون مجرد عبارة تتغنى بها بعض الشركات.. وبين أن يكون مفهوماً عميقاً يحرك كل عمليات الشركة..

طرحوا الموضوع على الموظفين.. وأخذ الموضوع وقتاً طويلاً حتى يتم زرعه في عمليات الشركة، وفي عقليات الموظفين، لينعكس بشكل قوي على عمليات الشركة فيما بعد..

من القرارات الأولية التي نتجت عن تبني مفهوم خدمة العملاء هو إلغاء أن تكون الشركة وسيطة في شراء الأحذية تماماً.. كانت الشركة وبعد أن أخذت تشتري الأحذية وتبيعها لا تزال تعمل أيضاً كوسيط شراء كما بدأت.. والوساطة كانت تشكل 25% من مبيعاتها، وتعتبر مالاً سهلاً بدون أي مخاطرة.. ولكن لأن هذا البند كان ينتج عنه عدم رضى من بعض العملاء لأن الشركة لا تتحكم بتوفر البضاعة لهم تماماً، قررت الشركة أن تستبعد هذا البند تماماً وتركز على العمليات التي يمكنها التحكم فيها بالكامل وبالتالي تضمن خدمة مميزة للعميل..

والمثير أنهم أغلقوا هذه الخدمة واستغنوا عن الدخل الوارد منها وهم في عزّ أزمتهم المالية في 2003، حينما كانوا مهددين بالإغلاق إن لم تحصل معجزة ويأت مستثمر وينقذهم.. هذا هو الإيمان المطلق بالهدف!

وفوراً، وفي نفس العام، أصبحوا يوفرون خدمة عملاء تعد ثورية في ذلك الوقت.. كان لديهم أفضل تشكيلة أحذية على الإطلاق على مستوى مواقع الإنترنت، وعلى مستوى محلات وأسواق الأحذية العادية أيضاً!، كانوا يوفرون خدمة الشحن المجاني للحذاء إلى أي مكان في أمريكا، والإرجاع المجاني أيضاً!، كانوا يقومون بترقية مستوى الشحن من عادي إلى مميز لتصل الأحذية إلى الزبائن خلال يومين كحد أقصى!..

كانت الشركة تعلم أن ذلك يكلفها أكثر حالياً، ولكنها على قناعة من أنهم أيضاً يبنون بهذه الطريقة قاعدة عملاء قوية ستعود عليهم بالنفع مستقبلاً.. كانت تراهن بكل قوتها على أن خدمة العملاء هي ما سيحقق لها النجاح الحقيقي.

من تجارب الشركة أيضاً أنهم ومع توسع أعمالهم احتاجوا إلى مستودعات أكبر، عرضت عليهم شركة مستودعات كبيرة أن تدير لهم مستودعاتهم، ووافقوا، ولكن نقل إدارة الأحذية إلى تلك الشركة كانت خطوة فاشلة، فتلك الشركة لم تكن تحمل هم خدمة العميل مثل شركة زابوس، وهذا نتج عنه تأخير في فرز وتوزيع البضائع الجديدة، وتأخير في استخراج الحذاء المطلوب وإرساله إلى العميل.. لم تكن شركة المستودعات تعي ماذا يعني بالضبط أن يصل الحذاء للعميل قبل وقته، أو في وقته على الأقل، ولم تكن تتشارك الهمّ في ذلك مع شركة زابوس، ولذلك قامت زابوس بالاستغناء عنهم وبناء مستودعات كبيرة خاصة بهم وتحت إدارتهم.

وجعلت زابوس العمل في هذه المستودعات على مدار الساعة، مناوبات مستمرة، فلو طلب عميل حذاءً في أي لحظة، يتم استخراج الحذاء الذي طلبه وإرساله على الفور.. من يعمل في إدارة المستودعات والخزين يرى أن هذه خطوة مبالغ فيها، فالأفضل اقتصادياً تجميع عدة طلبات ثم يقوم العامل باستخراجها في وقت واحد وإرسالها سوية بدلاً من أن يدخل المستودعات الضخمة في كل مرة من أجل حذاء واحد، وكان يمكن أيضاً أن يكون العمل في المستودعات نهاري فقط في مناوبة واحدة لتجميع وإرسال كل الطلبيات التي أتت في الليل، ولكن لأن الشركة كانت تتمحور حول خدمة العميل كانت نظرتهم مختلفة.. كان الزبون أحياناً يقوم بإجراء طلبية في المساء، ليجدها على باب منزله صباح اليوم التالي! كانت هذه الخطوة تخلق رضا غير مسبوق عند العميل.. وتجربة مميزة لا تقدر بثمن!..

المثير أيضاً أن الشركة أخذت تقتطع من ميزانيات التسويق لتصرفه على تكاليف الأنشطة الخاصة بخدمة العملاء.. الشركة كانت على قناعة بأن الزبون المندهش من روعة خدمات الشركة سيسوق لها بشكل أفضل من الإعلان التقليدي، ولذلك كانت الشركة حريصة على إدهاش كل الزبائن.

لقد تشبعت شركة زابوس تماماً بمفهوم خدمة العملاء.. ليصبح الشعار التجاري لشركة الأحذية شعاراً ليس له علاقة بالأحذية!.. حيث أصبح شعارها: أفضل خدمة عملاء على الإطلاق “The Very Best Customer Service”.

 

(الكول سنتر)، بمنظار (البراندينغ)!

حينما نظرت شركة زابوس إلى مركز استقبال اتصالات العملاء، أو (الكول سنتر)، بنظارة بناء اسم الشركة وليست بالنظارة الاقتصادية المالية المعتادة، قاموا ببناء مركز استقبال الاتصالات بشكل مختلف وغير معتاد، وأسموه (فريق ولاء العملاء).

اكثر الشركات تدير مراكز (الكول سنتر) عن طريق قياس أداء كل موظف بحسب عدد الاتصالات التي استلمها كل يوم، وهذا يجعل الموظفين يستعجلون في انهاء اي مكالمة للحصول على المكالمة التالية، وهذا في نظر زابوس لا يخلق تجربة رائعة للزبون.

في زابوس يتركون الحرية للموظف.. يثقون به وانه يعمل تماما لهدفهم وهو خلق تجربة رائعة للعميل.. لا يمانعون في أن تستمر المكالمة الواحدة مع الزبون الواحد لساعات!.

كما لا يوجد نص يتم تلقينه لموظف خدمة العملاء، بل يتركون كل موظف ليتصرف بشخصيته وبعفوية مع الزبون حتى يبني معه علاقة شخصية. ويتفاعل معه حسب احتياجاته الخاصة، ويعطون كامل الحرية للموظف ليتصرف فيما هو الأفضل في خدمة اسم الشركة، المعيار الأساسي عندهم: أن يكون الزبون راضياً تماماً من اتصاله بزابوس، مهما كان يريد.

من ذلك، حينما يتصل زيون ويسأل عن موديل بمقاس معين قد نفد من مستودعات زابوس، حينها يقوم الموظف بالبحث على الإنترنت مباشرة ويزوده بأسماء وعناوين ثلاث شركات منافسة على الأقل يتوفر عندها طلب الزبون، هم بالتأكيد خسروا هذه البيعة، ولكن موظفي (الكول سنتر) لا يهدفون إلى تجويل كل اتصال إلى عملية بيع، بل يهدفون إلى بناء زبائن على المدى الطويل.

وأغلب الشركات يرون مركز استقبال اتصالات العملاء على أنه مركز تكلفة، في جين تراه زابوس على أنه فرصة لكسب زبائن حقيقيين على المدى الطويل، هم يرون كل عميل على أنه هدف متنقل وثمين، يزداد مردوده الإيجابي على الشركة كلما زاد مستوى التفاعل الإيجابي معه والأثر الإيجابي عليه.

 

كل شركة ناجحة.. خلفها ثقافة داخلية ناجحة

حينما أنشأ توني شيه شركته الأولى التي جعلته مليونيرا.. مرّ في تلك الفترة بتجربة مهمة غرست في داخله قيماً مهمة للمستقبل..

حينما أنشأ شركته تلك.. بدأت الشركة بفريق صغير متجانس كالأسرة الواحدة.. كانوا متآلفين مع بعضهم البعض.. ويجمعهم هدف نجاح موحد.. وحينما نجحت الشركة وكبرت كان من تبعات ذلك أن تم توظيف عدد كبير من الموظفين في وقت قصير.. وفي لحظة ما أدرك توني أنه خسر مفهوم الأسرة الواحدة.. التوظيف الكبير والسريع أحضر للشركة عدد كبير من الموظفين غير المتجانسين.. الذين يسعون للنجاح الشخصي فقط.. وأصبح بالتالي العمل في تلك الشركة ليس ممتعاً بالنسبة إليه.. وهذا أحد الأسباب الرئيسية اتي جعلته يوافق على بيع الشركة حينها..

ولذلك.. حينما انطلق في قصة نجاحه الجديدة في شركة زابوس.. كان على يقين من أن الاستمرار في النجاح بلا حدود يعني أن عليه أن يحافظ على روح الأسرة الواحدة في الشركة مهما كان الثمن..

كان عليه أن يبني ثقافة داخلية مميزة وفريدة..

منذ البداية.. كان حريصاً على إقامة الأنشطة المختلفة الجماعية للموظفين.. كانت تلك الأنشطة تبني علاقات قوية ومتينة بينهم.. أحياناً كانت مكافأة الموظفين أن يسافروا جميعاً إلى منتجع معين ويقضوا فيه يومين أو ثلاثة..

ثم حدث تطور جوهري في تاريخ الشركة، ساهم في خدمة هذا الهدف إلى حد كبير..

مع تطور أعمالهم، حدث ما يحتم عليهم نقل مقر شركتهم إلى مدينة أخرى.. كانت إحدى تلك الخيارات مدينة لاس فيغاس.. والتي تم اعتمادها لتكون المقر الجديد لشركتهم ليس لأنها الأفضل اقتصادياً بل لأنها التي توفر أكبر قدر من البهجة للموظفين!.. كان حجم الفريق حينها 90 موظفاً.. ووافق 70 منهم على الانتقال للمدينة الجديدة ليكمل العمل في شركة زابوس.. كان توني وشريكه يتوقعان موافقة أقل من هذا العدد.. ولكن تفاجؤوا أن من أهم الأسباب التي جعلت أغلب الموظفين يوافقون على الانتقال هو أنهم كانوا قد كونوا صداقات ومجتمع صغير داخل الشركة ولا يريدون أن يبتعدوا عنه!..

الذي حصل هو أنه مع انتقال هذا العدد من الموظفين جميعاً إلى لاس فيغاس.. أصبحت كل علاقات الموظفين الاجتماعية داخل الشركة.. لم يكن لأحد علاقات اجتماعية خارجية أو أصدقاء قدامى أو شلل يذهب معها.. هذا ساهم بشكل كبير في تقارب الموظفين مع بعضهم البعض وخلق مجتمع صغير قوي ومتجانس.. لقد أصبحوا كالقبيلة..

حينها.. وللحفاظ على ثقافتهم الداخلية.. وقبيلتهم الفريدة من نوعها.. وضعوا قواعد إضافية في التوظيف.. من هذه القواعد أن يكون الموظف ظريفاً ومرحا واجتماعياً.. بحيث يكون عضواً فعّالا في جلساتهم التي تتم خارج العمل!.. يقول توني أنهم رفضوا بالفعل عدد كبير من المتقدمين المميزين للغاية في مجالات أعمالهم فقط لأنهم لم يكونواً قادرين اجتماعياً على الانضمام لأسرة زابوس.

وقامت الشركة ببعض الخطوات البسيطة والتي كان لها تأثير كبير في زيادة ترابط الموظفين بعضهم ببعض.. منها أن مبنى الشركة كان له العديد من المداخل.. تم إغلاقها جميعاً وتحويلها لمخارج طوارئ وتحديد مدخل واحد فقط وذلك حتى يزيدوا من فرص التقاء الموظفين بعضهم ببعض.. ومن ذلك أيضاً أنه وعند دخول كل موظف إلى حاسبه الآلي وبعد إدخال اسمه وكلمة السر تظهر له صورة عشوائية لأحد الموظفين وعلى الموظف أن يحاول معرفة اسم صاحب الصورة من ضمن عدة خيارات، وبعد أن يجيب تظهر له نبذة بسيطة عن ذلك الموظف.. تمت تسمية هذه الحركة (لعبة الوجه Face Game).. هذا جعل الموظفين يتعرفون على بعضهم البعض باستمرار خصوصاً مع زيادة عدد موظفي الشركة على مر السنوات..

أعظم أفكار شركة زابوس أتت من جلسات السمر.. وليست من مكاتب العمل.. بداية من فكرة الاهتمام بالعميل وأن تتمحور الشركة ككل حول مفهوم خدمة العملاء.. مروراً بالعديد من الأنشطة الداخلية التي زادت من قوة تماسك أسرة زابوس.. وانتهاء بكتاب ثقافة زابوس الذي أصبح علامة فارقة في تاريخ الشركة..

 

كتاب زابوس.. حيث يكتبه الجميع!

كان موظفي شركة زابوس في جلسة سمر يوماً ما.. حينها دار بينهم حديث عن مفهوم ثقافة زابوس لديهم.. وأصبح كل موظف يتكلم كيف يرى ثقافة شركة زابوس كما يفهمها هو.. حينها ظهرت فكرة كتاب ثقافة شركة زابوس..

عادة تقوم الإدارة العليا في الشركات بكتاب وثيقة ثقافة الشركة.. وتقوم بتوزيعها على الموظفين لتطالبهم بقراءتها والعمل على تبنيها.. أما في ما حدث في زابوس فكان أمراً مختلفاً.. كانت زابوس تتمتع بالفعل بثقافة قوية حقيقية تم بناؤها فعلياً مع الزمن.. كانت تلك الثقافة أكبر قيمة من أي كتاب ثقافة تقوم شركة استشارات خاصة بكتابته..

ولذلك.. كانت فكرة كتاب ثقافة زابوس.. أن يقوم كل موظف من موظفي زابوس.. بكتابة ثقافة زابوس وما الذي يميز شركته عن الشركات الأخرى كما يراها هو، وماذا تعني بالنسبة له.. من وجهة نظره كفرد حقيقي ومهم من أفراد أسرة زابوس.. ووضعوا قانوناً مهماً في هذا الكتاب.. وهو أن كل ما سيكتبه الموظفين سينشر كما هو.. لن يتم التدخل في أي شيء.. ولن يتم تعديل أو حذف أو إضافة أي كلمة على كلام أي موظف!.. ما عدا التصحيح اللغوي البسيط.. ويمكن للموظف أن يطلب إخفاء اسمه وصورته، وله ذلك.. كما قاموا بالتنبيه على الموظفين بألا يتكلموا مع بعضهم عن هذا الموضوع حتى لا يؤثر أحد على أحد.. ويكون ما كتبه كل موظف نابع من قناعته الشخصية بدون أي تأثير..

كانت جرأة كبيرة من إدارة الشركة.. ولكنهم كانوا واثقين تماماً من خطوتهم الفريدة هذه..

وبالفعل.. وُلد كتاب ثقافة زابوس.. كان كتاباً واقعياً يعرض قيم ومشاعر وأفكار حقيقية لكل فرد من أفراد زابوس.. والذين هم كلهم مجتمعين يشكلون ثقافة شركة زابوس.. وأصبح هذا الكتاب إصداراً سنوياً.. وجزءا لا يتجزأ من ثقافة الشركة.. ويتم توزيعه على موظفي الشركة.. وعلى الموردين.. والزبائن أيضاً..

الكتاب متوفر لمن أراد، ويمكن تحميله عبر هذا الرابط:

https://www.zapposinsights.com/culture-book/digital-version/download-cb

 

يمكنك زيارة الشركة.. ولا يمكتك توقع ما الذي ستراه!

أصبحت الشركة تقدم فرصة لزيارة مقر شركتها ليشعر الناس بمعنى خدمة العملاء الذي تمحورت الشركة كلها عليه.. وكيف يعمل الموظفين جنباً إلى جنب في تقديم هذا المفهوم..

المثير في الموضوع أنه قد أصبحت لدى الموظفين أيضاً ثقافة بأن يخلقوا تجربة مدهشة للزوار، تجربة لا تنسى.. وبدون أي ترتيب أو تنسيق مع إدارة الشركة!.. حينما تزور الشركة ستختلف تجربتك عن تجربة غيرك.. فالموضوع يعتمد على مَن مِن الموظفين موجود وقتها وما هي الأفكار التي خرجوا بها ذلك اليوم.. قد تجد مثلاً آلة فيشار تم تغيير شكلها الخارجي لتصبح كالروبوت.. أو موظفين يرتدون زي القراصنة.. أو ممر قد تم تحويله إلى ملعب بولينغ.. أو موظفين يغنون أغاني جماعية، أو غرفة تم تجهيزها لتكون غرفة نوم، قد تتفاجأ بموكب غنائي استعراضي لأن أحد الموظفين قرر أن يحتفل بقدوم الخريف مثلاً.. أو منصة تصوير.. أو قد تصادف زياراتك أحد الأيام التي يتم فيها إجراء التحدي الداخلي بين الموظفين لحلاقة شعر رؤوسهم على الصفر بواسطة زملائهم!

إثارة مستمرة.. هذه ليست بيئة عمل رتيبة على الإطلاق!

الجنون في تشكيل بيئة المكتب

الرسوم تملأ الجدران الداخلية للشركة

تزحلق على الثلج داخل مقر شركة زابوس!

مسابقة أكل النودلز!

مركبة فضائية وضعت لشهرين داخل مقر الشركة وتحوي غرفة اجتماعات حقيقية بداخلها

النتيجة: شركة لا مثيل لها!

الثقافة الداخلية التي بنتها شركة زابوس كانت مميزة وفريدة من نوعها.. لقد نجحوا في بناء أسرة متماسكة وقوية.. لها ثقافة مشتركة.. وذاع صيتهم في كل مكان حتى أصبح البعض يقول عنهم مازحاً أنهم عبارة عن مذهب ديني جديد!

هذه الثقافة أهّلت موظفي شركة زابوس لتشرّب هدف الشركة الرئيسي وهو خدمة العملاء.. ليقوموا بتنفيذه على أكمل وجه.. وبكل ثقة.. وينجحوا سوية بتضامنهم وترابطهم من بناء شركة وضعت اسمها وبكل جدارة مع الشركات الكبرى في أمريكا.. بل وتحافظ على اسمها وسمعتها وهويتها حتى بعد الاستحواذ عليها..

هذا هو النجاح بحق!

 

مقر شركة زابوس

الموظفين في أحد المناسبات في ساحة الشركة

توني شيه

 

 

 
أضف تعليق

Posted by في 1 أبريل 2017 in مقالات, تقنية