RSS

Monthly Archives: جوان 2024

الرواية المصوّرة: الجنيّة لغازي القصيبي.. تصوّر بصري ممتع لعوالم الجنّ


كنت متحفّزاً في الحقيقة للنسخة المصوّرة من هذه الرواية.. فرواية الجنّية لمن يعرفها هي رواية مختلفة.. تدور بين عالمي الإنس والجن.. والكتابة عن عالم الجن ووصفه بصرياً تحدّ بذاته.. ولكن تخيّلُ هذا العالم وشخصياته بصرياً وتجسيده في رسومات تحدّ أكبر وأصعب..

كيف يا ترى ستقوم الرواية المصوّرة بهذه المهمة؟ هل سنرى سرداً قصصياً وعوالم مرسومة تليق بمستوى الرواية الأصلية لغازي القصيبي؟ وكيف سيتم رسم الكائنات التخيلية، وشخصيات الجنّ؟ أم أنني سأندم أنني أطلعت على هذه الرسومات وتشوهت عندي الصورة الذهنية التخيلية للرواية الأصلية (كما حصل مع المجموعة القصصية المصورة لعدي الحربش)؟

*   *   *

شدّني الرسم منذ البداية، جميل ومتناسق، ومن الواضح أن الرسّام يتقن صنعة القصة المصوّرة إلى حد كبير، من حيث التنقلات، رسم الشخصيات، تعابير الأوجه، كما أن الصفحة بها عدد كوادر (مربعات رسم) جيّد، ولا يلجأ للفرد الشديد (كما في رسم المجموعة القصصية لعدي الحربش)، تقنيات الرسم الجميلة هنا كانت مشابهة لتقنيات رسم رواية الوسمية، وانتبهت بعدها أن الرسام هو نفسه في الروايتين.

كما أن التصوير البصري للجنّ والعفاريت أعطى الرواية المصوّرة ميزة خاصة بها، كان من الجميل أن نرى تصوراً بصرياً لأنواع من “الجنّ” كانوا يخوفوننا بها ونحن صغاراً، مثل أم السعف والليف في الأحساء، وجني النخل دعيدع الظريف، والسعلوّة في المنطقة الوسطى، وقعود حايل، والثعبان أبو قرون في المدينة المنورة.

*   *   *

السرد القصصي للرواية المصوّرة تفوّق في جوانب، وأخفق في جوانب أخرى، ومع أنني في العموم استمتعت بقراءة هذه الرواية المصوّرة، ولكن الإخفاقات في السرد كانت مزعجة. والمقصود بالسرد هنا كتابة “سيناريو” القصة المصورة.

أول نقطة مزعجة كانت العشوائية في الاختصار، في المواضع التي كان فيها سرد روائي تم تقطيعه بشكل غير مدروس، لنرى أجزاء كاملة منه في الرواية المصورة، وتختفي أجزاء بالكامل، ففي الفصل الثامن مثلا تسرد الرواية المصورة كل شيء كما هو حتى تملأ صفحتين، ثم تقطع النص وتنتقل للفصل التالي، وكأن المطلوب هنا ملأ عدد من الصفحات بغض النظر عن ما تقوله الرواية الأصلية، وتكرر هذا الاجتزاء المفاجئ في عدة فصول، والتصرف الأفضل هنا كان الاختصار من عموم الفصل، كما فعلت الرواية المصورة في الفصل التاسع مثلاً، والفصل السادس عشر.

وعلى طاري الاجتزاء، حدث العكس عندما يكون في الرواية الأصلية حوارات، حيث تأتي بها الرواية المصورة كاملة من دون أي اجتزاء أو اختصار، تأتي بها كما هي.

وهذه التفرقة بين تناول النص السردي وتناول الحوارات سبّبت خللاً في وزنية الرواية المصورة مقارنة بالرواية الأصلية، حيث أن مناطق السرد في الرواية الأصلية تم اختصار مساحتها إلى النصف في المساحة التي احتلتها في القصة المصورة، في حين احتلت مساحة الحوارات مساحة تصل إلى مرة ونصف في الرواية المصورة، وينتج عن ذلك أن من يقرا الرواية المصورة سيرى أن الحوارات هي التي تهيمن على الرواية، بشكل أكبر بكثير من وجودها في الرواية الأصلية لغازي القصيبي.

وبالحديث عن الفصول، فإن التجزئة لفصول اختفى في الرواية المصورة، ومع أن هذه التجزئة لم تؤثر كثيراً على مسار الرواية المصورة (كما هو الحال في الرواية المصورة الوسمية والتي أضر عدم التقسيم بها)، إلا أن التجزئة هنا لها دور نفسي في تقبل القارئ للعمل، حيث أن التجزئة لفصول أمر مفضل في الروايات المصورة الطويلة.

*   *   *

بعد كل هذه الملحوظات على سرد الرواية المصوّرة (السيناريو)، لا بد من ذكر نقاط قوته، وهي تركزت في نقطتين أساسيتين، الأولى محافظته على الخط العام القصصي للرواية الأصلية، وعدم خروجه عنه، أو إخلاله به خللاً يضر بالسياق القصصي الأصلي، والثانية: أن سيناريو القصة المصورة حافظ على النصوص الأصلية التي كتبها الراحل غازي القصيبي، حيث أن الاختصار في أغلبه تمّ بانتقاء نصوص من الرواية الأصلية، وهذه نقطة مهمة في الحفاظ على روح الرواية الأصلية في هذه الرواية المصوّرة.

*   *   *

من الملاحظات الجانبية على العمل عدم استغلاله لإمكانيات القصص المصورة في عدة أماكن، فالقيمة الأساسية للقصة المصورة هو (الرسم والتصوير البصري)، وفي الرواية الأصلية التي كتبها الراحل غازي القصيبي وصفٌ بصري للعديد من الشخصيات والأماكن.. وحينما تناولتها الرواية المصورة أتت بالنص الأصلي الوصفي كاملاً، بدون الاهتمام بالرسم بناء على هذا الوصف، وكان من الأفضل والأكثر احترافية وجمالية لو تم اختصار النص هنا، وتجسيد كل الوصف البصري الذي كتبه الكانب في تفاصيل الرسم، من ذلك مثلاً توصيف شخصيات الجن الثلاث الذين قابلهم البطل في الفندق، والذين تم رسمهم بشكل بسيط، وتم إيراد وصفهم البصري المكتوب كاملاً.

*   *   *

نقطة أخيرة مهمّة، تكررت في هذه الرواية وفي جميع إصدارات مشروع الروايات المصوّرة، وهو عدم تحديد العمر على الغلاف، هذه الرواية المصوّرة بكل تأكيد ليست للصغار، وبها العديد من المواضع والمشاهد التي لا يمكن أن تكون بين أيدي الأطفال على الإطلاق، كمشاهد وحديث الجنّ، والعلاقات بين الجنسين، ومغامرات البطل النسائية، والكلام الكثير في الرواية عن العلاقات الجنسية بين الإنس والجنّ بتفاصيل فقهية وقصص مرويّة، وسبق التنويه على أهمية ذلك، خصوصاً وأن مجتمعنا لم يألف القصص المصورة للكبار، بالتالي من الوارد أن يتعلق أحد الصغار بهذه الرواية لأنها مصورة، ويقتنيها أبوها له، وهو يعتقد أنها كتاب للأطفال.

للتوضيح، هناك فارق بين الرواية الأصلية والرواية المصوّرة في موضوع أهمية تحديد العمر على الغلاف، فالرواية الأصلية من الواضح للجميع أنها ليست للصغار، أما الرواية المصوّرة فهي تتقاطع مع مطبوعات الصغار لأنها قصة مصوّرة طويلة، والكثيرون من الصغار والكبار لا ينتبهون، أو لا يعرفون، ان هذه القصص المصوّرة للكبار وليست للصغار.

*   *   *

استمتعت كثيراً بقراءة الرواية المصورة الجنية، والتي أضافت أبعاداً تصويرية رائعة للرواية الأصلية للراحل غازي القصيبي.. وأرى هذا العمل خصوصاً خطوة مهمة في مشروع تحويل الروايات السعودية لروايات مصورة، أولاً لأن الرواية الأصلية عملٌ أدبي مهم كتبه أحد أهم الأدباء في التاريخ السعودي المعاصر، وثانياً لأن الرواية ليست رواية درامية عادية، بل بها الكثير من الخيال غير المعتاد، أي أن إنجاز عمل مهم وصعب مثل هذا سيجعل من تحويل أغلب الروايات السعودية لأعمال مصورة أمراً سهلاً وممكناً.

 
أضف تعليق

نشر بواسطة: في 12 جوان 2024 بوصة Uncategorized

 

الرواية المصورة الصبيّ الذي رأى النوم: ما هكذا تورد الإبل!


حاولت أن أصيغ العنوان بشكل أكثر إيجابية.. ولكن لم أستطع.. لأن هذه “الرواية المصوّرة” فعلاً محبطة.. وكل ما أعود لأقرأ شيئاً منها أخرج بنفس الانطباع!

*   *   *

عليّ أولاً أن أوضّح شيئاً مهما هنا: “الصبي الذي رأى النوم” ليست رواية، بل مجموعة قصصية.. وهذه النقطة مهمة في استعراض هذه الرواية المصوّرة، أو بالأصح: المجموعة القصصية المصورة، وتحليها..

وملحوظة أولى مهمة.. في المجموعة القصصية المصوّرة لم يتم نشر جميع القصص الموجودة في العمل الأصلي للكاتب عدي الحربش.. وبالتالي كان لا بد من التنويه على الغلاف أن هذا العمل المصوّر هو (مختارات من المجموعة القصصية: الصبي الذي رأى النوم، للكاتب عدي الحربش).. للمصداقية الأدبية.

*   *   *

في اللحظة الأولى التي وقعت عيني فيها على الغلاف انتبهت لمشكلة فنية تضرب مصداقية الرسام، فإحدى الشخصيات الخاصة بهذه المجموعة القصصية، وهي شخصية ابن سينا، “تم أخذها” من شخصية سندباد الشهيرة، من شخصيات ديزني. هذا التصرف يكفي لوحده للتشكيك في مدى أصالة رسومات هذه المجموعة القصصية.

*   *   *

سآخذكم في رحلة في بعض النواحي الفنية والأدبية بمراجعة أربع قصص مصورة مختارة من هذه المجموعة.. والتي من خلالها سنصل في النهاية إلى الأسباب التي جعلتني أكوّن انطباعاً سلبياً حادّاً تجاه هذه المجموعة القصصية المصورة.

*   *   *

قصة: حكاية الصبي الذي رأى النوم

تدور القصة الأصلية عن طفل تموت أمه المريضة عند ابن سينا، وهذا الطفل لا ينام لأنه يريد أن يرى النوم، ويحتال عليه ابن سينا حتى يحقق له ما يريد.

أول ما نلاحظه على القصة المصورة هو توتّر جودة رسوماتها، فنرى أحياناً رسومات جيدة، ثم يتغير مستوى الرسم تماماً إلى مستوى سيء وضعيف، كما أن رسوماتها لا تصلح لفنّ القصص المصورة، لا من حيث تعابير أوجه الشخصيات، ولا لقطات الكاميرا، وهناك مشاهد غير مفهومة في القصة المرسومة، واستخدم الرسام أحياناً النسخ واللصق لنفس الرسمات وهذا ضعف في التنفيذ.

*   *   *

في رواية القصة، القصة مختصرة بشكل أضاع جمالية القصة الأصلية، كما أن القصة اعتمدت على رواية الأحداث وابتعدت عن جماليات الكتابة الأصلية للقصة، وهذا أضعفها كثيراً. ومن التحويرات التي أساءت للقصة إضافة كتابات شارحة أضاعت إثارة القصة الأصلية، ففي القصة الأصلية مثلاً يروي لنا الكاتب أن النوم فعلاً أتى للولد بطل القصة، وأنه أخذه في رحلة، تمكن فيها من تنويم من يمر بهم، حتى نكتشف في النهاية أنه ابن سينا، ولكن القصة المصورة أحرقت هذه الإثارة مسبقاً بأن قالت أن هذه الشخصية هي ابن سينا متنكراً.

*   *   *

على سبيل المثال: هاتان الصفحتان تجسدان عدداً من الإشكالات الفنية والتحريرية المذكورة، الشخصية التي ترتدي الأزرق أعلى الصفحة الأولى تم نسخها ولصقها في الصفحة التي تليها، وتصرفات الشخصيات الأخرى التي يمرون عليها غير مفهومة، كما لا يمكن فهم الكادر الأخير في الصفحة الأولى والكادر الأول في الصفحة الثانية، ونرى في الصفحة الثانية حرق الإثارة بالإفصاح عن أن شخصية النوم هو ابن سينا نفسه، وفي الكادر الأخير نرى رسم ابن سينا الذي تم أخذه من رسومات شخصية سندباد من ديزني.

*   *   *

قصة: كرة البولينغ

تدور القصة الأصلية حول منافسة بين شابين في البولبنغ، وشعور كرة البولينغ التي تحاول جهدها ألا تضرب إحدى القوارير المصابة من قبل.

أما القصة المصورة، فقد تم تنفيذها باختصار شديد، وتمت صياغة الاختصار على أحداث القصة فقط، بالتالي لا نرى فيها إبداع الكاتب الأصلي (عدي الحربش)، ويبدو أنه تبعاً للاختصار الذي أضرّ بالقصة تمت إضافة عبارات شارحة مما أضاع جماليات القصة أكثر!

مما يؤخذ على هذه القصة أن القصة الأصلية بدأت بوصف بصري للشخصيات يدل على محليتها: تشخيصة بنت البكار، ربط الثوب، سروال السنّة، الزبيرية، ولكن في القصة المصورة نرى رسماً لرجلين لا يعكسان هذه الصورة البصرية إطلاقاً، بل توحي لك أشكالهما أنها شخصيات غربية.

الوصف البصري للشخصيتين في القصة الأصلية لعدي الحربش، وكيف تم رسمهما في القصة المصورة، نراهما هنا:

الرسم مستواه أسوأ من القصة السابقة، ويقع هنا في مشكلة أخرى وهي الفرد الشديد للوحات، حيث نرى صفحات بها كادرين (رسمتين) فقط أحياناً، وأحياناً لوحة واحدة، والفرد الشديد للوحات مقبول أحياناً في القصص المصورة حسب تداعيات الأحداث وفي حالات استثنائية، ولكن لا يكون طاغياً كما هو الحال في هذه القصة، (نصنفها في إنتاج القصص على أنها محاولة من الرسام، أو المنتج، لتقليل الجهد والتكاليف 😊 ).

نرى هنا الصفحتان الثالثة والخامسة من القصة، وبجانبهما على اليسار صفحة من رواية الوسمية المصورة، ليمكن مقارنة حجم أعمال الرسم بينهما:

*   *   *

قصة: لماذا يكثر أهل الرسّ من أكل الحبحر

هذه القصة من أروع قصص المجموعة التي كتبها عدي الحربش، والتي تروي صمود أهل الرس أمام العثمانيين أيام الدولة السعودية الأولى، والبطولات الفردية لمن هم هناك سواء كانوا من أهل الرس أو ممن كانوا فيها وقتها، وتمنيت شخصياً أن أراها بشكل أفضل في المجموعة القصصية المصورة، ومع أن فيها جهداً أفضل من غيرها، إلا أنها أحبطتني أيضاً.

القصة المصورة مختصرة بشكل غير موفّق، منها الاختصار الشديد المخلّ، ومنها إبراز بعض الأحداث الجانبية كأحداث رئيسية، وإهمال بعض الأحداث الرئيسية الأصلية، مما أضرّ بالقصة ومسارها، كما أضرّ ببناء الشخصيات، وحينما تقرأ القصة المصورّة ثم تقرأ القصة الأصلية ستتعرف على نفس الشخصيات بشكل مختلف.

نرى هنا ثلاث صفحات من القصة المصورة، بها ثمانية كوادر فقط، هذه الصفحات الثلاث هي اختصار لحوالي 11 صفحة سردية مليئة بالأحداث ممتدة على فصلين من القصة الأصلية:

يُضاف إلى ذلك أن هذه القصة أطول من غيرها، وهي مبنية في أصلها على ستة فصول، بينها فواصل زمنية ومكانية، ولكن لم يتم اعتبار الفصول في القصة المصورة، بل تم سردها كقصة واحدة، مما يحدث إرباكاً للقارئ.

رسم القصة بنفس مستوى الضعف الفني العام للمجموعة القصصية المصورة، وعدم إتقان لأساسيات رسم القصص المصورة من حيث رسم الشخصيات وتعابير الأوجه وزوايا التقاط الكوادر.

*   *   *

قصة: عندما أفاقت الجميلة النائمة

تحكي القصة الأصلية حكاية من زاوية مختلفة للقصة الكلاسيكية “الجميلة النائمة”، ثم تدخل البطلة في حوار فلسفي عميق مع المفكر ديكارت.

تعاني هذه القصة مثل غيرها من الاختصار الشديد غير الموفق، والرسومات الضعيفة، والفرد الشديد للرسومات.

ولكن أوردت هذه القصة ضمن الأمثلة هنا لأن فيها تجاوزاً أدبياً من نوع مختلف، حيث قام الكاتب بوضع نهاية أخرى من عنده للقصة!

في القصة الأصلية، يغضب ديكارت في آخر حواره مع الجميلة النائمة لانتصارها الفلسفي عليه، ويخرج من غرفتها، أما في القصة المصورة فإن ديكارت يقوم بخنق الجميلة النائمة في دلالة على أنه قتلها، ولا أعتقد أن هذا التجاوز من كاتب القصة المصورة مسموح أبداً لأن هذا العمل المصوّر هو تجسيد لعمل أدبي أصيل منسوب لكاتب من كبار الكُتاب. (قد يُغفر له ذلك لو كان مقتنعاً بتغييره للقصة، وكتب تنويهاً بذلك).

هذا مشهد ديكارت وهو يخنق الأميرة، ومعه النص الأصلي للقصة، -ونشاهد فيه أيضاً كيف أن الرسم أخذ صفحة كاملة، ليجسد أيضاً مشكلة الفرد المبالغ فيه للرسومات-.

*   *   *

أعتقد بعد استعراض وضع القصص الأربعة السابقة كنموذج، أصبح من الواضح لماذا هذه “الرواية-المجموعة القصصية” المصورة أحبطتني للغاية، وجميع قصص المجموعة المصورة وبلا استثناء كانت بنفس المستوى الذي استعرضناه في هذه القصص الأربعة.

مجموعة عدي الحربش رائعة، من الوزن الثقيل، وتمنيت بالفعل أن تكون هناك عناية تليق بها عند تحويلها لقصص مصورة، خصوصاً وأن تحويل القصص القصيرة أصعب من تحويل الروايات الطويلة، وتحتاج إلى إبداع خاص وتركيز عالٍ، ولكن للأسف هذه المجموعة القصصية المصورة لم تنجح في ذلك، وتضرّ العمل الأصلي أكثر مما تخدمه.

 
أضف تعليق

نشر بواسطة: في 11 جوان 2024 بوصة قضايا إعلامية

 

الرواية المصوّرة الوسمية: تجسيد بصري رائع للرواية الأصلية.. مع أخطاء فنية وإنتاجية


أول كتاب قرأته من مجموعة الروايات السعودية المصورة كانت رواية الوسمية، قد يكون اختياراً عشوائياً، أو قد يكون بسبب لوحة الغلاف التي تعتبر الأبرز والأقوى بين هذه المجموعة من الروايات المصورة.

قوّة الغلاف أتت بشكل رئيس من صورة الوجه الكبيرة التي تصدرته، واحتلت جزءاً كبيراً منه، وللإحاطة فإن صورة الوجه الكبيرة على الغلاف هو تكنيك مهم في جعل أي غلاف قوي وشديد الجاذبية، وطالما استخدمنا هذا التكنيك في المجلات سابقاً.

عموماً.. عودة للرواية المصورة..

*   *   *

رواية الوسمية لمن يعرفها، هي عبارة عن مجموعة من المشاهد المختلفة لقرية من قرى الجنوب في المملكة، 13 مشهداً متتالياً، تنفصل عن بعضها بروايات مختلفة وشخصيات مختلفة، وتترابط أحياناً بترابط بعض الأحداث وظهور بعض الشخصيات، وهي من الروايات التي لا أبطال أساسيين لها، بل الكل أبطال.

أوّل ما لاحظته حينما بدأت أقرأ الرواية المصورة عكسها لبيئة الجنوب بصرياً بشكل جميل، المرتفعات، البيوت، والملابس الشعبية، مثل لبس (المقلّمة) على رأس العروس، ومن الواضح أن من أعدّ الرواية المصوّرة قد قام بعمل بحث جيد عن تفاصيل البيئة البصرية للجنوب، حيث أن الرواية الأصلية لا تحكي ذلك في تفاصيلها.

تأملوا هذه اللوحات مثلاً من مشهد العرس في الرواية.

الرسم في رأيي جميل للغاية، الرسوم مستواها راقٍ، ومناسب لهذا النوع من الروايات المصوّرة، زوايا التصوير، والتقاط مشاعر الشخصيات كانا رائعين.

ولكن.. وعودة هنا إلى الرواية الأصلية ذات الثلاثة عشر مشهداً.. وقعت الرواية المصوّرة في خطأ تنفيذي مؤثر، وهو أنها سردت المشاهد الثلاثة عشر وكأنها مشهد واحد طويل، رواية متصلة.. فدخلت المشاهد على بعضها البعض، وأصبح بالتالي من يقرأ الرواية المصوّرة لا يفهم العديد من الأحداث والمشاهد، مما جعل القصة المصوّرة تبدو غريبة، لأن الأحداث تتغير فجأة في وسط القصة (مع تغير المشهد أو الفصل).

ومع ذلك، قامت الرواية المصوّرة بالالتزام بالخط العام للرواية الأصلية، ولم تبتعد عنها، وهذا يحسب لها، ما عدا الاستعجال والاختصار الشديدين في بعض المواضع مما أسقط بعض التفاصيل المهمة أو الجميلة.

ويُحسب أيضاً للرواية المصوّرة استخدامها للنصوص الأصلية للكاتب عبدالعزيز مشري.. مما حافظ بشكل كبير على روح الرواية الأصلية.. ويمكن هنا مقارنة النص الأصلي من الرواية على اليمين، في الإطار الأحمر، بتجسيده المصور على اليسار:

*   *   *

ملحوظة هنا، الرواية فعلياً للكبار كما نعرف.. وبها العديد من الأحداث التي لا تصلح للصغار.. وبرزت هذه الأحداث أكثر حينما تم تحويل العمل إلى قصص مصوّرة، أحداث مثل مقتل فرحان في البئر، ودردشة الفتيان عن من أين يأتي الأطفال، وحكاية البنت التي كانت تنام مع رجل حتى حملت منه ثم انتحرت ونراه في المشهد التالي:

الإشكالية في الرواية المصوّرة أنها لم توضح على الغلاف أنها للكبار فقط.. ومن الوارد في مجتمعنا الذي تعارف أن القصص المصورة للصغار أن يتم الخلط عند بعض الصغار أو الأهالي أن هذا العمل للصغار، وبالتالي يقتنوه لأولادهم.

توضيح الفئة العمرية على الأغلفة لروايات الكبار أمر متعارف عليه عالمياً، وأعتقد أنه لا بد لهذه الرواية -وكل إصدارات الروايات السعودية المصوّرة- أن توضّح ذلك أيضاً.

*   *   *

تبقت نقطة أخيرة.. قد يكون من الأفضل لو وضعت الرواية في البداية تعريفاً بالشخصيات، حيث أن شخصيات الرواية كثيرة ومتعددة، وظهور بعضها قليل، أو نادر، ولا نسمع أسماءهم في الرواية أو الحوارات دائماً، لذلك لو تم وضع صورهم في البداية في صفحة تعريف، مع أسمائهم، لكانت الرواية أكثر قبولاً وفهماً من القارئ.

التعريف بالشخصيات في بدايات الروايات والقصص المصورة أمر معروف في هذه الصنعة، خصوصاً عند تعدد الشخصيات وتنوعها وكثرتها وطول القصة، ولا يلزم هنا وضع شروحات للشخصيات، بل يمكن الاكتفاء بالصور والأسماء.

*   *   *

في العموم.. استمتعت بهذه الرواية المصوّرة كثيراً..

نقلتني بالفعل إلى أجواء الجنوب..

بروعة الرواي الراحل عبدالعزيز مشرّي..

وروعة الرسم الذي نقل تفاصيل المكان..

وأهل المكان..

 
أضف تعليق

نشر بواسطة: في 10 جوان 2024 بوصة Uncategorized

 

مقدمة – سلسلة مقالات نقدية للروايات السعودية التي تم إنتاجها كقصص مصورة (كوميكس)


مقدمة

شدني للغاية مشروع إنتاج روايات سعودية كقصص مصورة (كوميكس) بدعم من هيئة الأدب والنشر والترجمة، لأنه قد يكون المحاولة الأبرز على الإطلاق في إنتاج قصص مصورة للكبار، وليس للصغار. وهذه سابقة مهمة، ستفتح باباً لتقبل مجتمعاتنا لهذا الفن كفن أصيل وجميل للكبار.

كلنا نعرف فنّ القصص المصورة، نعرفه من القصص الموجودة في مجلات الأطفال بشكل رئيسي، ثم عرفناه كفنّ للشباب والفتيات عبر انتشار محبي فن (المانجا) الياباني، والذي يعدّ أحد الأشكال الفنية للقصص المصورة، ثم صدور العديد من المنتجات المحلية بنفس النمط من كتب وقصص، وأبرزها بالطبع مجلة (مانجا العربية) بنسختيها للصغار والشباب.

ولكن.. فنّ القصص المصورة للكبار.. أمر جديد تماماً عندنا.. وصدور هذه الروايات السعودية الأصيلة بهذا الشكل الفني ومن هيئة حكومية بوزن هيئة الأدب والنشر والترجمة سيكون بالتأكيد البداية لسوق جديد لم نعرفه من قبل..

*   *   *

في المرحلة الأولى من المشروع، تم إصدار خمسة روايات سعودية بنمط القصص المصورة، وهي:

الجنية لغازي القصيبي، الوسمية لعبدالعزيز مشري، البحريات لأميمة الخميس، حكاية الصبي الذي رأى النوم لعدي الحربش، غواصوا الأحقاف لأمل الفاران.

حصلت عليها كلها من مكتبة جرير، ما عدا الأخيرة (غواصوا الأحقاف) التي لم أتمكن من العثور عليها في السوق.

وبحكم اختلاف تفاصيل إنتاج كل رواية عن الأخرى، وجدت أنه من الأفضل تخصيص كل رواية برؤية نقدية مختصرة خاصة بها.

والهدف الأساسي من هذه المقالات النقدية محاولة إبراز نقاط القوة والجودة في هذا المشروع، وتحديد أي نقاط ضعف.. (والتي أحياناً قد تدمّر مشروعاً رائعاً، مع أنه يسهل تجنبها أو تجاوزها).. ليساهم بشكل أو بآخر في تجويد أي أعمال أخرى مستقبلية في مجال الأعمال المصورة للكبار، سواء صدرت من الهيئة أو من أي قطاع عام أو خاص.

*   *   *

نقطة مهمة: سأتطرق فقط في هذه المقالات النقدية إلى ثلاث روايات من الروايات الخمسة، وهي التي تمكنت من الحصول على نسختها المصورة، وقارنتها بالرواية الأصلية، أما رواية (البحريات) لأميمة الخميس فقد عجزت عن الحصول على الرواية الأصلية، أما (غواصوا الأحقاف) لأمل الفاران فلم أتمكن من الحصول على الرواية المصورة.

*   *   *

وأودّ التنويه هنا إلى أن دراسة هذه المنتجات يخصّ فقط ما تم في تحويل الرواية الأصلية إلى قصة مصورة، ولكن لن تتطرق المقالات إلى النقد الأدبي للروايات الأصلية، ولا لمسارها القصصي، أي أنني حينما أتكلم عن رواية الجنية للأديب الكبير غازي القصيبي رحمه الله بشكلها المصوّر، فإنني لا أنقد الرواية الأصلية، ولا كاتبها (ولست أهلاً لذلك)، بل أركز على شكلها في القصة المصورة: كيف تم تحويلها، نمط السيناريو، أسلوب الرسم، كيفية توزيع القصة المصورة، جودة الأبعاد الفنية والأدبية في هذا الشكل الجديد للرواية، وما إلى ذلك.

*   *   *

موعدنا الغد بعون الله.. ومع أول مقال نقدي من هذه السلسلة.. والذي سيكون عن النسخة المصورة من رائعة عبدالعزيز مشري: الوسمية.

 
أضف تعليق

نشر بواسطة: في 9 جوان 2024 بوصة قضايا إعلامية, مقالات